استعادة دولة الجنوب.. ورقة الرياض الجديدة في مواجهة الحوثيين: توحيد النفوذ لفرض التسوية
سما عدن الإخبارية/تقرير خاص وحصري

تحول النفوذ العسكري الجنوبي إلى معطى سياسي هام، تستخدمه السعودية كعامل ضغط حاسم لإجبار الحوثيين على الانخراط في حل شامل. الرياض تعيد هيكلة الجنوب لجعله قوة منسجمة، وترفع سقف “خيار الانفصال” من مجرد شعار إلى مشروع جاهز للتطبيق إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود.
إعادة تشكيل النفوذ: من الانتشار العسكري إلى الضغط السياسي
تشير التطورات الأخيرة في المحافظات الجنوبية من اليمن إلى دخول مرحلة جديدة من إعادة تشكيل خريطة النفوذ والسيطرة. فلم يعد امتداد القوات الجنوبية على كامل الجغرافيا من عدن حتى المهرة مجرد انتشار عسكري تقليدي، بل تحول إلى معطى سياسي واستراتيجي تستثمره الأطراف الإقليمية، لا سيما المملكة العربية السعودية، في إدارة ملف الأزمة اليمنية الشامل.
لقد أظهرت السعودية تغيرًا كبيرًا في عقيدتها السياسية تجاه الجنوب بعد سنوات من التخبط، حيث اتجهت نحو تمكين القوات الجنوبية وتوحيدها تحت سلطة واحدة. ويرى مراقبون أن هذا التمكين يمثل ورقة ضغط بالغة الأهمية في مواجهة التعنت الحوثي المستمر في مسار التسوية السياسية. فمن وجهة نظر الرياض، يمنحها وجود قوة جنوبية موحدة ومنسجمة نفوذًا أكبر وقدرة على المناورة على طاولة المفاوضات الإقليمية والدولية.
«خيار الانفصال».. ورقة ضغط جاهزة على الطاولة
الهدف الأبرز من هذا التمكين هو إيصال رسالة واضحة ومباشرة إلى جماعة الحوثي، مفادها أن خيار إنهاء الأزمة بالتسوية الشاملة يجب أن يكون واقعيًا ومتوازنًا. وجود جبهة جنوبية قوية وموحدة يعني أن خيار الانفصال لم يعد مجرد شعار سياسي، بل بات مشروعًا استراتيجيًا جاهزًا يمكن تفعيله إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود أو حاول الحوثيون فرض شروط أحادية.
رغم أن التحالف السعودي الإماراتي لا يرغب في الذهاب مباشرة نحو تقسيم اليمن، إلا أنه يلوح بهذه الورقة كورقة ضغط قصوى لإجبار الحوثيين على القبول بتسوية شاملة تضمن توازن القوى شمالًا وجنوبًا، وتشتمل على ترتيبات أمنية واقتصادية تحت إشراف إقليمي، وهو السقف الذي لم يكن متاحًا كأداة ضغط بهذه القوة بين عامي 2015 و 2025.
رشاد العليمي والمسار المفروض
لم يكن تسليم الملفات الأمنية والعسكرية في المحافظات الشرقية للقيادات الجنوبية قرارًا صادرًا عن إرادة شخصية للرئيس رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، بقدر ما كان جزءًا من الترتيبات الشاملة التي يقودها التحالف. وقد مثلت المنطقة الأولى في وادي حضرموت، على سبيل المثال، عبئًا أمنيًا وسياسيًا مزمنًا ومصدرًا لخلل في معادلة السيطرة.
وبناءً عليه، لم يكن أمام العليمي سوى التماهي مع المسار الذي فرضته وقائع القوة على الأرض. فالتحالف يريد قوات محلية تدير مناطقها بكفاءة، ويسعى لبناء جبهة جنوبية متراصة وغير مشتتة بين مراكز نفوذ متصارعة. ولهذا، جاء الدفع بالقوات الجنوبية – التي تُعتبر قريبة من التوجهات السعودية – إلى حضرموت والمهرة، في إطار إعادة هيكلة تهدف إلى إمساك المملكة بـ خيوط التحكم السياسي والعسكري والاقتصادي في الجنوب، بما يتوافق مع سياسة الرباعية الدولية في الملف اليمني.
الاستقرار أولاً.. والضغط مستمر
تدرك السعودية خطورة السماح بانفجار الوضع في الجنوب أو تحوله إلى ساحة صراع جديدة. لكنها في الوقت نفسه باتت مقتنعة بأن وجود طرف جنوبي قوي ومنظم هو الضمان الوحيد لمنع تمدد النفوذ الحوثي، والآلية الفعالة لإدارة المرحلة المقبلة دون اهتزازات أمنية أو سياسية.
ولهذا، فإن الأولوية الاستراتيجية للرياض هي ضمان حالة من الاستقرار النسبي في الجنوب خلال الأشهر القادمة، بينما تواصل استخدام هذا الواقع المستجد للضغط على الحوثيين في مسار المفاوضات.
وإذا ما استمر رفض الحوثيين للحل السياسي النهائي، أو حاولوا فرض شروط تعجيزية، فإن “الخيار الجنوبي” قد يتحول بالفعل من مجرد ورقة ضغط إلى مشروع قابل للتطبيق عمليًا. وقد تبدأ الخطوات التنفيذية بشكل تدريجي بدعم التقارب الجنوبي/الجنوبي لتوحيد الصف حول خيار الحكم الذاتي، ثم تمتد لاحقًا إلى ترتيبات سياسية أوسع. ورغم أن التحالف لن يسارع إلى الاعتراف بدولة جنوبية جديدة، إلا أن التقديرات تشير إلى أن البيئة الإقليمية والدولية أصبحت مهيأة للتعامل مع هذا السيناريو إذا فشلت جميع خيارات التسوية الأخرى بشكل نهائي.