مقالات

حين تختطف القضايا… ويُنسى الإنسان

بقلم/ عبير الزامكي

عند قراءة تاريخ الجنوب بموضوعية، يتضح أن ما فعله الجنوبيون بأنفسهم في مراحل عديدة كان أكثر قسوة مما فعلته الوحدة أو حتى حرب 1994، بل ويتجاوز في أثره ما جرى في أحداث 1986. فالصراعات الداخلية، والانقسامات، وتصفية الخصوم، أضعفت الدولة من الداخل قبل أن تُضعفها أي عوامل خارجية.

واللافت أن الجنوب، وفق تسلسل الأحداث، لم يعرف استقرارًا نسبيًا حقيقيًا إلا خلال فترة الوحدة اليمنية، رغم كل ما يُقال عنها اليوم. بل إن مقارنة بسيطة بين عمر دولة الجنوب وعمر دولة الوحدة تكشف حقيقة صادمة: عمر دولة الوحدة أطول من عمر دولة الجنوب نفسها، وهو ما يستدعي إعادة النظر في كثير من المسلّمات المتداولة.

وإذا انتقلنا إلى الحاضر وسألنا: من هم أكثر الأصوات مطالبة بالانفصال اليوم؟ سنجد أن معظمهم إما امتداد لصراعات الماضي، أو شخصيات ارتبطت مصالحها بالحرب واستمرار الفوضى. أما جيل الثمانينات وما فوقه، فهو جيل صامت، مثقل بتجارب الانكسار، مطعون في ظروفه المعيشية، أُنهك اقتصاديًا ونفسيًا، ولا يحمل أجندات سياسية بقدر ما يحمل همّ البقاء.

هذا الجيل لا يطالب بشعارات كبرى، ولا يعيش على أوهام الماضي، بل يريد أبسط حقوق الإنسان: حياة كريمة، خدمات أساسية، مرتبات منتظمة، نظام صحي محترم، وتعليم يحفظ كرامة أطفاله ومستقبلهم. جيل حزين، لا على واقعه فقط، بل على مستقبل سُرق من أطفاله قبل أن يولدوا، على يد تجار الحروب والمصالح الذين اختطفوا القضايا وحوّلوها إلى أدوات للثراء والنفوذ.

لقد خرجنا تمامًا عن سياق القضية، سواء كانت جنوبية أو شمالية. بل إن الشمال اليوم، في نظر كثيرين، يعيش ظلمًا مضاعفًا؛ شعب بلا كهرباء منذ عام 2011، موظفون لا تُصرف مرتباتهم إلا في العيدين، ومجتمع كامل واقع تحت سلطة قهر أعادته قسرًا إلى زمن الإمامة، حيث تُستَعبَد الناس باسم القوة والسلاح.

إن القضية الحقيقية لم تعد شمالًا في مواجهة جنوب، ولا وحدةً في مواجهة انفصال. القضية اليوم هي إنسان يُسحق، وجيل يُقصى، ووطن يُدار بعقلية الغنيمة لا بمنطق الدولة. وما لم يُعاد تعريف الأولويات، سيبقى التاريخ يعيد نفسه، ولكن بثمن أفدح يدفعه الأبرياء وحدهم.

إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس اختلاف المشاريع السياسية، بل استمرار إدارة الصراع بالعقلية نفسها التي دمّرت الدولة سابقًا: عقلية الإقصاء، وتقديس الماضي، وتحويل القضايا العادلة إلى استثمارات شخصية. لا يمكن بناء جنوب أو شمال أو دولة مستقبلية فوق أنقاض الجوع والخوف والجهل. فالدولة لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرتها على حماية الإنسان، وصون كرامته، وضمان حقوقه الأساسية دون تمييز.

وأي مشروع سياسي لا يبدأ بإعادة الاعتبار للإنسان، ولا يعترف بأخطاء التاريخ، ولا يفصل بين القضية وتجارها، سيظل مشروعًا ناقصًا، مهما علت راياته. وحده الوعي الجمعي، والضغط الشعبي السلمي، وبناء دولة مؤسسات حقيقية، كفيل بإخراج اليمنيين شمالًا وجنوبًا من دائرة الصراع إلى أفق الدولة، ومن منطق الغنيمة إلى منطق المواطنة.

أؤكد أن كلامي ليس انتقاصًا من القضية نفسها، فأنا مع رد المظالم واستعادة الحقوق، لكن لا يجب استغلال القضية لصالح أفراد وأطراف لها مصالحها وأجنداتها الخاصة. أنا مع الحق الإنساني أولًا.

 

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار